مرتضى الزبيدي

416

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

وهذا كما أن سلمان لما شتم قال : إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول . فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم . وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال : يا هذا قد سمع اللّه كلامك وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول ، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول ، وسب رجل أبا بكر رضي اللّه عنه فقال : ما ستر اللّه عنك أكثر ، فكأنه كان مشغولا بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي اللّه حق تقاته ويعرفه حق معرفته ، فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان ، إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان ، وذلك لجلالة قدره ، وقالت امرأة لمالك بن دينار : يا مرائي ، فقال : ما عرفني غيرك ! فكأنه كان مشغولا بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء ، ومنكرا على نفسه ما يلقيه الشيطان إليه فلم يغضب لما نسب إليه . وسب رجل الشعبي فقال : إن كنت صادقا فغفر اللّه لي ، وإن كنت كاذبا فغفر اللّه لك . فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا لاشتغال قلوبهم بمهمات دينهم ، ويحتمل أن يكون ذلك قد أثر في قلوبهم ولكنهم لم يشتغلوا به واشتغلوا بما كان هو الأغلب على قلوبهم ، فإذا